Preloader
مضيق هرمزمضيق هرمز

مقدمة

يُعد مضيق هرمز واحدًا من أكثر الممرات المائية حساسية على وجه الأرض، فهو الشريان الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. إيران تقع على ضفته الشمالية، وعُمان على ضفته الجنوبية، مما يجعله نقطة تماس مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية. ومنذ مطلع عام 2026، تحوّل هذا الممر الضيق إلى مسرح فعلي للصراع، بعد أن اندلعت حرب مباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

من أزمة إقليمية إلى صراع مفتوح

في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة على أهداف عسكرية إيرانية، تضمنت عملية اغتيال استهدفت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ردّت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى دول خليجية حليفة للولايات المتحدة. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق أمام “الدول غير الصديقة”، وسمح فقط بمرور السفن التي توافق عليها طهران، فيما وضعت ألغامًا بحرية وهاجمت عدة سفن تجارية.

بحسب توثيقات متعددة، أدى هذا التصعيد إلى انخفاض حاد في حركة الشحن عبر المضيق، حيث تراجعت حركة ناقلات النفط بنسبة تجاوزت 90% في بعض المراحل، وسُجّلت حالات غرق وأسر لسفن تجارية، إلى جانب سقوط ضحايا من البحارة وعمال الموانئ.

هدنة هشة ومناورات مستمرة

بعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق هدنة في أوائل أبريل 2026 شمل إسرائيل أيضًا، ثم تلاه في يونيو مذكرة تفاهم تهدف لإعادة فتح المضيق وإنهاء الحرب. إلا أن الهدنة لم تكن كافية لإنهاء التوترات؛ فقد حاولت إيران فرض سيطرة فعلية على الممر عبر تحديد مسارات “معتمدة” للسفن وحتى محاولة جباية رسوم عبور، وهو ما اعتبرته واشنطن خرقًا للاتفاق.

تكرر إطلاق النار على سفن تجارية في يونيو ويوليو 2026، بما في ذلك حادثة استهداف سفينة حاويات تحمل علم قبرص في يوليو، ما أدى إلى ضربات أمريكية مضادة على مواقع إيرانية قرب المضيق. وفي كل مرة كانت طهران تبرر هذه الإجراءات بأنها ردّ على ما تسميه “تدخل قوى خارجية” في محاولات عبور غير مصرح بها.

الأثر الاقتصادي العالمي

يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس النفط الخام العالمي، وخُمس الغاز الطبيعي المسال المتداول عالميًا، إلى جانب مرور آلاف السفن التجارية شهريًا في الأوضاع الطبيعية. الاضطرابات المتكررة تسببت في:

  • انخفاض حاد وصل إلى نسب تفوق 95% في ناقلات النفط الخام العابرة للخليج، وشلل يقارب 99% في ناقلات الغاز المسال.
  • ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، بما استفادت منه روسيا وإيران في المدى القصير.
  • إعادة توجيه خطوط الشحن العالمية بعيدًا عن المضيق والبحر الأحمر أيضًا، بعد الهجمات الحوثية السابقة على السفن هناك.
  • أزمات وقود محلية في بعض دول آسيا المستوردة للنفط الخليجي.

الاستجابة الدولية المنقسمة

على المستوى الدبلوماسي، انقسم المجتمع الدولي بوضوح. في أبريل 2026، استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار بحريني بمجلس الأمن كان يدعو لإنهاء الهجمات الإيرانية على السفن، ولتنسيق جهود دولية لحماية حركة الشحن، بينما دعمت بريطانيا والولايات المتحدة المشروع. الصين، من جهتها، شددت على أن ضمان حرية الملاحة في المضيق يجب أن يكون “مطلبًا مشتركًا للمجتمع الدولي” لا تفويضًا عسكريًا من طرف واحد.

في وقت لاحق، عملت الولايات المتحدة على صياغة مشروع قرار “أضيق نطاقًا” بمشاركة بعض دول الخليج العربي، كما أعلنت فرنسا استعدادها لتقديم مشروع لتأسيس مهمة دولية لاستعادة حرية التنقل في المضيق. غير أن كلا المشروعين لم يُطرحا للتصويت حتى وقت كتابة هذه السطور، ما يعكس استمرار الجمود الدبلوماسي حول الملف.

لماذا يبقى هرمز بؤرة توتر دائمة؟

يعود ذلك إلى ثلاثة عوامل متشابكة:

  1. الجغرافيا الاستراتيجية: يمتلك ساحل إيراني هو الأطول بين دول الخليج الثماني، ومنطقته الاقتصادية الخالصة في الخليج تقارب ضعف مساحة أقرب دولة منافسة لها، مما يمنحها قدرة فعلية على التأثير في حركة الملاحة.
  2. غياب بديل حقيقي لنقل الطاقة: على الرغم من وجود بعض خطوط الأنابيب البرية، لا يزال المضيق الممر الأهم لنقل النفط والغاز من الخليج، ما يجعل أي إغلاق جزئي له تأثيرًا فوريًا على الأسواق العالمية.
  3. تشابك الصراع الإقليمي: ربط الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية بجبهات أخرى، مثل جنوب لبنان حيث استمرت الخروقات المتبادلة رغم اتفاقيات الهدنة، يجعل من الصعب فصل ملف المضيق عن الصورة الأوسع للصراع في المنطقة.

خاتمة

لا يزال مضيق هرمز، رغم اتفاقيات الهدنة المتعاقبة، ساحة مفتوحة لاختبار موازين القوى بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. وبين هدنة هشة ومذكرة تفاهم لم تُطبق بالكامل، يظل الاقتصاد العالمي رهينة لأي تصعيد جديد في هذا الممر الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة بضعة كيلومترات، لكنه يحمل في طياته قدرة على هزّ أسواق الطاقة من أستراليا إلى أوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *