مقدمة
لم تعد الرعاية الصحية في دولة الإمارات العربية المتحدة تقتصر على المستشفيات والعيادات التقليدية، بل تحوّلت إلى منظومة متكاملة تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، والطب عن بُعد، وتحليل البيانات الضخمة. هذا التحول جعل من الإمارات نموذجًا يُحتذى به إقليميًا وعالميًا في دمج التكنولوجيا بالخدمات الصحية، بما ينسجم مع رؤية الدولة الطموحة لمستقبل القطاع الطبي.
الذكاء الاصطناعي في قلب المنظومة الصحية
يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أهم محركات التحول في القطاع الصحي الإماراتي. فمستشفى ميدكير الصفا في دبي، على سبيل المثال، يستخدم فحص دم مدعومًا بالذكاء الاصطناعي قادرًا على التنبؤ بمرض الشرايين التاجية بدقة تصل إلى 95%، وذلك قبل ظهور الأعراض بفترة طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة للتدخل المبكر قبل تفاقم الحالة.
كما بدأت بعض المستشفيات في 2026 باستخدام أنظمة تنبؤ بالإنتان (تسمم الدم) قائمة على الذكاء الاصطناعي، تستطيع تحديد المخاطر قبل ست ساعات من الطرق التقليدية للتقييم، وهو تطور يمكن أن يحسم الفارق بين الحياة والموت في حالات الطوارئ.
وفي فبراير 2026، أعلنت خدمات الصحة الإمارات عن إطلاق “أمل”، أول مساعد طبي افتراضي مدعوم بالذكاء الاصطناعي في الدولة، بالتعاون مع شركة Boston Health AI، بهدف دعم الرعاية الطبية وتوسيع نطاق الوصول للرعاية التخصصية.
استراتيجية وطنية طويلة المدى
يأتي هذا الزخم في إطار استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، التي تسعى لجعل الدولة رائدة عالميًا في هذا المجال، وخصوصًا في قطاع الصحة. ومن أبرز مشاريعها نموذج “فالكون” الذي طوّره مجلس أبحاث التكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة المطالبات الطبية في مدينة دبي الطبية، تستهدف معالجة قضايا جوهرية مثل نقص الأطباء وإدارة الأمراض المزمنة.
وتشير التقديرات إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي الصحي في الإمارات، الذي بلغت قيمته نحو 39 مليون دولار في 2024، من المتوقع أن ينمو بنحو عشر مرات ليصل إلى 337.9 مليون دولار بحلول 2033، ما يعكس التزامًا استراتيجيًا طويل الأمد بهذا القطاع.
ثقة عالية من المستخدمين
بحسب تقرير “إيدلمان تراست باروميتر” الخاص بالصحة لعام 2026، فإن 59% من المستجيبين في الإمارات يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإدارة صحتهم الشخصية، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدل العالمي البالغ 35%، وهو ما يعكس تحوّل هذه التقنية من مجرد تجربة إلى ممارسة يومية متأصلة في القرارات الصحية.
ومع ذلك، لا يزال الطبيب البشري يحتفظ بمكانته المحورية، حيث أظهر التقرير أن قرابة 9 من كل 10 مستجيبين (89%) يثقون بأطبائهم في نقل الحقيقة حول قضاياهم الصحية، مما يعني أن الإمارات تسير في مسار يجمع بين الثقة بالتكنولوجيا والثقة بالكادر الطبي، دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر.
منظومة رقمية متكاملة
تشهد الإمارات أيضًا نموًا لافتًا في قطاع التقنيات الصحية الناشئة، حيث تستضيف الدولة العديد من شركات التكنولوجيا الطبية، ومنها منصات الطب عن بُعد مثل “أوكادوك” و”ألطبي” و”إنستا دوكتور” و”تروداك 24/7″، إضافة إلى برمجيات تحليل الصور الطبية الآلية.
كما تلعب منصات تبادل البيانات الصحية المتكاملة، مثل نظام “ملفي”، دورًا محوريًا في تمكين تبادل المعلومات الطبية بين مختلف مقدمي الرعاية الصحية، بما يسهم في اتخاذ قرارات طبية أسرع وأكثر دقة.
وعلى صعيد الخدمة المباشرة للمرضى، تتوسع المستشفيات في دبي وأبوظبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة في اعتماد روبوتات محادثة ذكية (Chatbots) قادرة على حجز المواعيد، وتحديث السجلات الطبية، وتوجيه الطلبات بين الأقسام المختلفة دون تدخل بشري، مع تطور مستمر في القدرات متعددة اللغات لتقليص حاجز اللغة بين المرضى ومقدمي الخدمة.
نحو طب وقائي لا علاجي فقط
يرى مسؤولون في القطاع الصحي الإماراتي أن التقنيات الحديثة، مثل التصوير الطبي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، وعلم الجينوم، والطب الدقيق، والمراقبة الصحية عن بُعد، تلعب دورًا متزايد الأهمية في تحسين التشخيص والعلاج والرعاية الشخصية للمرضى. ويؤكد هؤلاء أن مستقبل الرعاية الصحية يتجه نحو نموذج متكامل يجمع بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا المتقدمة، بما يخدم رؤية الإمارات لنظام صحي مستدام وقائم على الابتكار.
خاتمة
تُظهر التجربة الإماراتية أن دمج التكنولوجيا في القطاع الصحي لا يعني بالضرورة استبدال العنصر البشري، بل تعزيز قدرته على تقديم رعاية أسرع وأكثر دقة وشمولية. فمن الفحوصات التنبؤية إلى المساعدين الطبيين الافتراضيين، ومن روبوتات المحادثة إلى منصات تبادل البيانات، ترسم الإمارات ملامح نظام صحي يوازن بين الابتكار والثقة، ويضع نفسه في موقع متقدم على خريطة الرعاية الصحية الرقمية عالميًا.

